محمود محمود الغراب

44

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

الحب ، ما أحب أحد غير خالقه ، ولكن احتجب عنه تعالى بحب زينب وسعاد وهند وليلى والدنيا والدرهم والجاه وكل محبوب في العالم ، فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات وهم لا يعلمون ، والعارفون لم يسمعوا شعرا ولا لغزا ولا مديحا ولا تغزلا إلا فيه من خلف حجاب الصورة ، وسبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحبّ سواه ، فإن الحب سببه الجمال وهو له ، لأن الجمال محبوب لذاته ، واللّه جميل يحب الجمال ، فيحب نفسه . ( ف ح 2 / 326 - ح 4 / 260 - ح 2 / 326 ) فمن ليلى ومن لبنى * ومن هند ومن بثنة ومن قيس ومن بشر * أليسوا كلهم عينه لقد أصبحت مشغوفا * به إذ كان لي كونه فكل الخلق محبوبي * فأين مهيمي أينه فمن يبحث على قولي * يجد في بينه بينه ( ف ح 3 / 449 ) فما هيّم اللّه تعالى بشرا وجميلا وابن الدريج ، وابتلاهم بحب أمثالهم ، هند وبثينة ولبنى ، إلا ليقيم بهم الحجة على من ادعى محبته ، ولم يهم في حبه هيمان هؤلاء ، حين ذهب الحب بعقولهم وأفناهم عنهم ، لمشاهدات شواهد محبوبهم في خيالهم ، فأحرى من يزعم أنه يحب من هو سمعه وبصره ، ومن يتقرب إليه أكثر من تقربه ضعفا بقوله تعالى : « من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا » ( حديث قدسي ) . ( ذخائر الأعلاق ) التجلي الإلهي في حضرة الخيال : اعلم أن الحق له تجليان في عالم الشهادة : أحدهما التجلي الذاتي ، وهو كالبرق في نوره وسرعة زواله ، يذهب بالأبصار لا يكاد يتحقق ، فلا يحصل ما يضبطه علم أو عقل أو وهم أو خيال ، فلا يحصل في المشهد الذاتي علم في نفس المشاهد ، لأنه تجلى في غير صورة مادية ، فلم يكن للخيال ما يضبطه به ، فلم يكن للعقل ما يعقله ، إذ لا يدخل تحت كيف ولا كم ولا حال ولا نعت ولا وصف ، فالمشهد الذاتي لا ينتج شيئا في قلب العبد ، لأنه لا ينضبط ولا يحصل منه سوى شهوده ، فإنه تعالى عن أن يحصره كون أصلا ، بخلاف التجلي في الصورة في عالم التمثيل ، فإن الرائي يضبط صورة ما تجلى له ويعبر عنها ، فإن العلم بالذات